عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
174
اللباب في علوم الكتاب
ذلِكُمْ [ آل عمران : 15 ] بعد ذكر أشياء قبله ، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤبة لما قيل له في قوله : [ الرجز ] 1749 - فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق « 1 » فقال : أردت ذلك فأجرى الضمير مجرى اسم الإشارة . الرابع : أنه يعود على المال ، وإن لم يجر له ذكر ؛ لأنّ الصّدقات تدلّ عليه . الخامس : أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب « آتوا » ، قاله الرّاغب وابن عطيّة . السّادس : قال الزمخشريّ « ويجوز أن يذكّر الضمير ؛ لينصرف إلى الصّداق الواحد ، فيكون متناولا بعضه ، ولو أنّث لتناول ظاهره هبة الصّداق كلّه ؛ لأنّ بعض الصّدقات واحد منها « 2 » فصاعدا » . وقال أبو حيّان : وأقول حسّن تذكير الضمير أن معنى « فَإِنْ طِبْنَ » فإن طابت كلّ واحدة فلذلك قال : « منه » أي : من صداقها ، وهو نظير قوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [ يوسف : 31 ] ؛ أي لكلّ واحدة منهن ، ولذلك أفرد « متكأ » . قوله : « نفسا » منصوب على التّمييز ، وهو هنا منقول من « 3 » الفاعل ؛ إذ الأصل : فإن طابت أنفسهنّ ، ومثله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] . وهذا منصوب عن تمام الكلام ، وجيء بالتمييز هنا مفردا ، وإن كان قبله جمع لعدم اللّبس ، إذ من المعلوم أنّ الكلّ لسن مشتركات « 4 » في نفس واحدة ، ومثله : قرّ الزيدون عينا ، كقوله : وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً [ هود : 77 ] وقيل : لفظها واحد ومعناها جمع ، ويجوز « أنفسا » « وأعينا » ولا بدّ من التعرّض لقاعدة يعمّ نفعها ، وهي أنّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصب عن تمام الكلام فلا يخلو : إمّا أن يكون موافقا لما قبله في المعنى ، أو مخالفا له ، فإن كان الأول وجبت مطابقة التّمييز لما قبله نحو : كرم الزيدون رجالا ، كما يطابقه خبرا وصفة وحالا . وإن كان الثاني : فإمّا أن يكون مفرد المدلول أو مختلفه ، فإن كان مفرد المدلول وجب إفراد التمييز كقولك في أبناء رجل واحد : كرم بنو زيد أبا أو أصلا ، أي : إنّ لهم جميعهم أبا واحدا متصفا بالكرم ، ومثله « كرم الأتقياء سعيا » ، إذا لم تقصد بالمصدر اختلاف الأنواع لاختلاف محالّه ، وإن كان مختلف المدلول : فإما أن يلبس إفراد التمييز لو أفرد أولا ، فإن ألبس وجبت المطابقة نحو : كرم الزيدون آباء ، أي : أن لكل واحد أبا غير أب الآخر يتصف بالكرم ، ولو أفردت هنا لتوهّم أنهم كلّهم بنو أب واحد ، والغرض خلافه ، وإن لم يلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد ، وهو الأولى ، ولذلك جاءت عليه
--> ( 1 ) تقدم برقم 579 . ( 2 ) في ب : الصداق . ( 3 ) في ب : عن . ( 4 ) في أ : ليس يشتركان .